فصل: كتابة القرآن وجمعه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المعجزة الكبرى القرآن



.المكي والمدني:

8 - كان نزول القرآن منجمًا سببًا في أن بعضه نزل بمكة وبعضه نزل بالمدينة، فكان منه المكي ومنه المدني، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة يسمَّى مدنيًّا، وما نزل قبل الهجرة يسمَّى مكيًّا، فالتقييم زماني وليس بمكاني، ليست العبرة بمكان النزول، إنَّمَا العبرة فيه بزمانه.
والآيات المكية فيها بيان العقيدة الإسلامية، وبطلان عبادة الأوثان ومجادلة المشركين والدعوة إلى التوحيد، ومخاطبة العرب، وفيها قصص الأنبياء الذين جاءوا إلى بلاد العرب ولهم آثار في أجزائها تنادي بما صنع أقوامهم، وما أصابهم الله تعالى بكفرهم من حاصب، ومن خسف جعل عالي ديارهم سافلها، ومن ريح صرصر عاتية.
ولم يكن في الآيات المكية أحكام للمعاملات، وإن كان فيها إشارات إلى المحرمات كالخمر والربا، فقد قال تعالى مشيرًا إلى أن الخمر أمر غير حسن: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67]، فإن هذا النص الكريم يشير إلى أن الخمر ليست أمرًا حسنًا؛ لأنه سبحانه وتعالى - جعلها مقابلة للأمر الحسن، ولا يقابل الحسن إلّا القبيح، أو على الأقل الأمر غير الحسن.
ولقد جاء أيضًا في سورة الروم ما يشير إلى أن الربا أمر غير مستحسن، فقد قال تعالى في سورة الروم: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39].
وإن عدم وجود أحكام للمعاملات في مكة سببه أن الدولة التي كانت قائمة كانت دولة شرك، وأن من المستحيل أن تنفذ أحكام المعاملات الإسلامية في ظلها، وكان الاتجاه الأول إلى إخراجها من الشرك وإدخالها في التوحيد أولًا، ثم من بعد ذلك تكون الدولة الإسلامية المنفذة، ولكن المحرمات كانت ثابتة في أول تشريع الإسلام، وإن كان مسكوتًا عنها، فلم تكن موضع إباحة، بل كانت موضع سكوت وعفو حتى ينزل التشريع بتحريمها تحريمًا قاطعًا، فما كانت الخمر مباحة، ولكن كان مسكوتًا عنها، أو كانت في مرتبة العفوِ كما يقول علماء الأصول، حتى إذا كان المنع الصريح في المدينة كان معه العقاب، وهكذا كل ما كان مسكوتًا عنه لم يكن موضع إباحة.
ولما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان التنظيم الكامل للمعاملات؛ لأنه وجدت دولة إسلامية فاضلة، تنظِّم العلاقات بين الناس، وتقوم على تنفيذها، والقضاء بها، فنظم التعامل، وابتدأ بأعلى أنواع التعاون بين الناس وهو الإخاء الذي آخى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، والأنصار بعضهم مع بعض، والمهاجرين بعضهم مع بعض، وشرعت النظم الاجتماعية، والمعاملات الإنسانية؛ من أحكام للبيوع والمزارعات، وتحريم للربويات وغيرها. وفرضية الصدقات وتنظيمها، وإعطاء الفقير حقه، والتنظيم الاجتماعي الكامل، وشرعت الزواجر الاجتماعية من حدود وقصاص، وسُنَّت الأحكام الفاصلة بين الحقوق، وفتح باب الجهاد، ووضعت نظم الحرب، وقامت العلاقات الدولية على أسس متينة محكمة، يراعى فيها حق العدو، كما يلاحظ حق الولي على سواء؛ لأن المبادئ المدنية في الإسلام قامت على إعطاء كل ذي حق حقه من غير بخس ولا شطط، ولا مجاوزة للحد ولا اعتداء.
ويلاحظ أن مبادئ العدالة جاءت مع وجود الشريعة الإسلامية، وقد دعا إليها القرآن الكريم في مكة والمدينة؛ لأن العدالة حق ابتدائي لا يختلف في دولة عن دولة، فهو يتعلق بالنفس الإنسانية في ذاتها.
فالأمر بالعدالة والإحسان والوفاء بالعهد جاء في سورة النحل، وهي مكبة عند نظر الأكثرين؛ لأن الله تعالى يقول فيها وهو أحكم القائلين: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 90 - 92].
ولقد أحصى القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن السور المدنية فقال: (عن قتادة: نزل بالمدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي لم تحرّم إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، هذه السور نزلت بالمدينة، وسائر القرآن نزل بمكة).
ويلاحظ أنَّه جعل سورة النحل من السور المدنية، ولكن المذكور في المصاحف التي بين أيدينا أنها مكية، ولعلَّ فيها روايتين.

.كتابة القرآن وجمعه:

9 - منذ ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول الأمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يحفظه، ويأمر من حوله ممن يحسنون الكتابة أن يكتبوه، وقد سمي أولئك الذين كتبوا القرآن بكتاب الوحي، ومنهم: عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وغيرهم كثير ممن كانوا يحضرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي بالقرآن عليه، فيملي عليهم ما نزل، ويعلمون ما حفظه في حف ظه الكثيرون من الصحابة، وخصوصًا من كانوا له عليه الصلاة والسلام ملازمين، وعلى مقربة منه صلى الله عليه وسلم.
وكان زوال القرآن على غير الترتيب الذي نقرؤه الآن في السور الكريمة، بل كان ذلك الترتيب من بعد النزول بعمل النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله تعالى، فكان يقول صلى الله عليه وسلم: ضعوا آية كذا في موضع كذا من سورة كذا، فتكون بجوارها متسقة متلاحقة المعنى مترابطة، متناسقة اللفظ، تلتقي بها كأنها تقف معها، وكأنهما كلام واحد قبل في زمن واحد، أحدهما لاحق، والآخر سابق، وكأن المتكلم قالهما في نفس واحد، من غير زمن بينهما يتراخى، أو يتباعد، وذلك من سر الإعجاز، ولا غرابة في ذلك؛ لأن القائل واحد، وهو الله سبحانه وتعالى - العليم الخبير الذي لا تجري عليه الأزمان، ولا يحد قوله بالأوقات والأحيان؛ لأنه هو خالق الأزمان، والمحيط بكل شيء علمًا.
ولذلك كان ترتيب القرآن الكريم في كل سورة بتنزيل من الله تعالى.
وكان من الصحابة من يحفظه كله، فكان عبد الله بن مسعود يحفظه المكي، ويحفظ المدني، ولكن الرواة قالوا: إنه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم المكي فقط، وكذلك جمع أُبَيُّ المدنيّ، وقالوا: إنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ما جمعه بعد الهجرة، وأكبر العرض هو عرض زيد بن ثابت رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان سنة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعد أن قرأ الرسول الأمين على روح القدس جبريل القرآن مرتَّبًا ذلك الترتيب الموحى به الذي نقرأ به القرآن الكريم.
وإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلَّا وقد جمع القرآن في صدر طائفة من الصحابة، قيل: إن عددهم مائة أو يزيدون، ونحن نرى أنهم كانوا أكثر من ذلك عددًا، فإنه قتل من القرَّاء في إحدى مواقع الردة عدد يزيد على السبعين، وقيل: على سبعمائة، وربما كان الأول أدق، فإذا كان ذلك العدد مقتولًا فالباقي بحمد الله تعالى أكثر، وإن كان قتل سبعين قد هال المؤمن الثاقب النظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعالى عنه وجزاه عن الإسلام خيرًا.
وإن كان بعض الكاتبين ذكر أنَّ الحافظ للقرآن من الصحابة أربعة هم: علي بن أبي طالب - كرَّم الله تعالى وجهه، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، فذلك ليس من قبيل الإحصاء ولا قبيل التعيين العادي، فإن العدد أكبر من ذلك.
والأمر الآخر الذي يجب التنبيه إليه هو أن القرآن كله كان مكتوبًا عند الصحابة، وإذا كان لم يكن كله مكتوبًا عند بعضهم، أو عند واحد منهم بعينه، فإن ذلك لم يكن منفيًّا عن جميعهم، فهو مكتوب كله عند جميعهم، وما ينقص من عند واحد يكمله ما عند الآخرين، وهكذا تضافروا جميعًا على نقله مكتوبًا، وإن تقاصر بعضهم عن كتابته كمل الأخر، وكان الكمال النقلي جماعيًّا وليس أحاديًّا.
وقد يسأل سائل: لماذا كان الجامعون له في الصدور كثيرين، وقد حفظوه كاملًا غير منقوص، ولم يوجد من جمعه في السطور جمعًا كاملًا؟
ونجيب عن ذلك بجوابين:
أحدهما: من واقع حياة العرب، فقد كانوا أميين، والمجيد منهم للكتابة قليل، وأدوات الكتابة غير متوافرة، وما يكتب عليه غير معد لها، فكانوا يكتبون على الأديم، وعلى لخاف الأشجار، وعلى العسب، وغير ذلك مما لا يعد للكتابة، فكان الغريب أن تكون كتابة، فضلًا عن أن تكون كتابة كاملة للقرآن عند الواحد من الصحابة، وكتابته كاملة عند الجميع كانت بتوفيق الله تعالى ومن عنايته بكتابه الكريم.
والجواب الثاني: إن ذلك من عمل الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى العليم الحكيم جعل حفظ القرآن الكريم في الصدور ابتداءً وانتهاءً، وفي السطور احتياطًا، ولا تحريف، وإنَّ تواتر القرآن الكريم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون كما تلقاه عن ربه العليم الحكيم، والتواتر يكون بالتلقي في الصدور لا في السطور، ولا يكون تواترًا في مكتوب إلَّا إذا قرئ المكتوب على من أخذ عنه وأجازه، فالمكتوب يحتاج في نقله إلى الإجازة القولية، والإجازة القولية لا تحتاج إلى كتابة إلَّا بمقدار تسجيل الإجازة.
ترك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا والأمة على بينة من أمر القرآن، قد استحفظوه وحفظوه وكتبوه، وحمله رسول الحقيقة أمانة الخليقة، وهو القرآن الحكم في هذا الوجود الإنساني، فماذا كان من بعده.
جمع القرآن الكريم بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم:
10 - انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد حفظ عدد كبير من الصحابة يبلغ حدَّ التواتر القرآن كله كاملًا غير منقوص، لم يتركوا منه كلمة إلا حفظوها، وعلموا أين نزلت، ومتى نزلت، وعلموا معناها من صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم، حتى إنَّه ليروى عن عثمان بن عفان أنَّه كان يقول: كنا إذا حفظنا عشر آيات من القرآن سألنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن معناها فيبينها لنا.
ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبته القرآن، وهو أعظم ثروة إنسانية مثرية في هذا الوجود، وقد أدركوا حق الأمانة وأنهم حاملوها إلى الأخلاف من بعدهم كاملة كما تسلَّموها، فكان حرصهم عليها أشدَّ من حرصهم على أنفسهم؛ لأنهم فانون وهي الباقية، وهي تراث النبوة، وسجل الرسالات الإلهية، لذلك كانوا يحافظون عليها وعلى الذين حملوها في صدورهم.
ولقد هال عمر بن الخطاب أنه قد استحر القتال بين المؤمنين الأولين - وكثير منهم من حفظة القرآن الكريم، وبين أهل الردة في موقعة اليمامة، وقتل منهم فيما قيل: سبعمائة - كما جاء في الجامع الكبير للقرطبي، فأشار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أبي بكر يجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأُبَيّ وابن مسعود وزيد، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه بعد تعب شديد.
روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحر يوم القيامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب كثير من القرآن إلَّا أن تجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلّم، فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبَّع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر).
اختار أبو بكر كما ترى في رواية البخاري ورواية غيره من أصحاب الصحاح زيدًا ليقوم مع من يستعين به من حفظة القرآن، وكان اختياره لزيد لأسباب جمَّة:
أولها: ما اشتُهِرَ به بين الصحابة من العلم والفقه.
وثانيها: لأنَّه من كتبة الوحي الملازمين، لا الذين كتبوا مرة أو مرتين وأخذوا لقب كاتب الوحي شرفًا.
وثالثها: إنه ممن حفظوا القرآن وجمعوه في صدورهم، فكان حقيقًا أن يجمعه مسطورًا بعد أن جمعه محفوظًا.
ورابعها: إنه عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التي انتقل فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كما قدمنا.
11 - حمل زيد ما هو أشد حملًا من الجبال؛ لأنه يحمل أثقل موازين الهداية في هذا الوجوه الإنساني، وهو وديعة الله تعالى إلى الوجود الإنساني إلى أن تزول السماوات والأرض.
وما كان لمن يحمل مثل هذا الحمل أن ينفرد بالعبء، فقد استعان بالحفظة الكرام من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأعلام، وسلك في سبيل الجمع الخطة المثلى، فما كان ليعتمد على حفظه، وإنه لحافظ، ولا على حفظ من استعان بهم، وإنهم لحفاظ أمناء، ولكنه كان لا بُدَّ أن يعتمد على أمر مادي يُرَى بالحسِّ لا يحفظ بالقلب وحده، فكان لا بُدَّ أن يرى ما حفظه مكتوبًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وبإملائه صلى الله عليه وسلم، وقد تتبع القرآن بذلك آية آية، لا يكتب إلَّا ما رآه مكتوبًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في عهده، ويشهد شاهدان أنهما هكذا رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونقلاه، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين، فهو شهادة كاملة منهما، وقد حصل على القرآن كله مكتوبًا بنصاب الشهادة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان إلَّا أن نقل المكتوب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه وجد آيتين لم يشهد اثنان بأنهما كتبتا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، بل شهد واحد فقط، وهو خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128، 129]، لم يجدهما إلا عند خزيمة، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم تكريمًا له: «شهادتك باثنين».
وروي أنه لم يجد آية أخرى إلَّا عند خريمة، وهي قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
هذا هو المسلك الذي سلكه المؤمن الحافظ الذي اختاره أبو بكر لحمل التبعة مع من اختاره، ولنترك الكلمة له - أي: لزيد - فهو يشير إلى ما سلكه، فهو يقول فيما رواه البخاري: قمت فتتبَّعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت آيتين من سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128].
والآية الأخرى التي لم يجدها إلا عند خزيمة أيضًا جاء فيها عنه في رواية البخاري أيضًا: وعن زيد بن ثابت لمَّا نسخنا في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلَّا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل الله تعالى شهادته بشهادة رجلين: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، وقد علَّق على ذلك القرطبي: فكانت الأولى من سورة براءة في الجمع الأول على ما قاله البخاري والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب.
وهذا يدل على أنَّ الجمع الثاني اتبع فيه ما اتبع في الجمع الأول بالبحث عن الآيات مكتوبة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يشهد اثنان بكتابتها في عصره، أو توجد عند اثنين، فوجودها عندهما شهادتان، والجمع الثاني كان في عهد عثمان.
ولكن قد يسأل سائل: لماذا كان نصاب الشهادة كاملًا في الجمع الذي حدث في عهد أبي بكر، ثم لم يوجد النصاب في بعض الآي عند الجمع الثاني؟
نقول: إن فرض ذلك يتحقق بغياب أحد ركني النصاب عن المدينة أو موته، ولكن الله تعالى حافظ كتابه في هذا الوجود كوعده بحفظه وأنه منجز ما وعد: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ولذلك كان الشاهد في الثاني هو الشاهد في الأول، وهو خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته باثنين، فالنصاب كان كاملًا.
12 - ولا نترك الكلام في هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه أبو بكر وعمر، وحمل عنه زيد بن ثابت مع جمع من المهاجرين والأنصار، من غير أن نقرر حقيقتين ثابتتين تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغير والتبديل، وأنه مصون بصيانة الله سبحانه وتعالى - له، ومحفوظ بحفظه، وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته.
الحقيقة الأولى: إن عمل زيد رضي الله عنه لم يكن كتابة مبتدأة، ولكن إعادة لمكتوب، فقد كتب كله في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل زيد الابتدائي هو البحث عن الرقاع والعظام التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها، بأمرين: بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات، ويحفظ زيد نفسه وبالحافظين من الصحابة، وقد كانوا الجم الغفير والعدد الكبير، فما كان لأحد أن يقول: إن زيدًا كتب من غير أصل مادي قائم، إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي.
وبذلك نقرر أن ما كتبه زيد هو تمام ما كتب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كتابة زيد، بل هو ما كتب في عصره صلى الله عليه وسلم، وما أملاه، وما حفظه عن الروح القدس.
وإذا كان ما كتبه عثمان من بعد ذلك قد قوبل بما كتب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، فالمصحف العثماني الذي بقي بخطه إلى اليوم هو مطابق تمام المطابقة لما كتب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب ألا يخرج عنه قارئ في قراءة بزيادة حرف أو نقص، قد تكون القراءات متغيرة في أصوات المقروء وأشكال النطق، ولكن لا يمكن أن تكون متغيرة بزيادة أو نقص، فذلك هو الخروج عن الرسم الذي وضع في عصر محمد صلى الله عليه وسلم بإقراره صلى الله عليه وسلم.
الحقيقة الثانية: إنَّ عمل زيد لم يكن عملًا أحاديًّا، بل كان عملًا جماعيًّا من مشيتخة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أنَّ زيدًا بطبيعة عمله أعلن بين الناس ما يريد؛ ليأتيه كل من عنده من القرآن ما هو مكتوب بما عنده، وقد علموا مقدار ما ينبغي لكتاب الله من عناية، فذهبوا إليه وذهب إليهم، وتضافر معه من كانوا يعاونونه غير مدخِّرين جهدًا إلَّا بذلوه في عناية المؤمن بكتاب الله تعالى الذي يؤمن به.
ولما أتمَّ زيد ما كتب تذاكره الناس وتعرَّفوه وأقرّوه، فكان المكتوب متواترًا بالكتابة ومتواترًا بالحفظ في الصدور، وما تمَّ هذا لكتاب في الوجود غير القرآن، ولا يهمنا أن يقرَّ ذلك المعاندون أم لا يقروه، فذلك إيماننا، والحجة القاطعة لا يضيرها ارتياب في غير موضعه، بل الحقائق ناصعة، والبينات قائمة ثابتة، وهي في حكم البدهيات القاطعة، ومن يرتاب في أمر عقلي لا ريب فيه فهو يضل نفسه، ولا يضر غيره، والحق أبلج، والباطل لجلج، وإذن فلا عجب في أمر المعاندين الضالين.
إنما العجب كل العجب في أمر الذين يضلون في طلب الحق، فيتيهون في ظلمات الروايات المدسوسة المكذوبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.